محمد الحميدي

523

جذوة المقتبس في تاريخ علماء الأندلس

وكانت له همّة وجلادة وجرأة . فلمّا جاءت أيام الفتنة ، وتغلّبت العساكر على النّواحي بذهاب دولة بني أبي عامر ، قصد هو فيمن [ 152 أ ] تبعه الجزائر التي في شرق الأندلس ، وهي جزائر خصب وسعة ، فغلب عليها وحماها ، ثم قصد منها في المراكب إلى سردانية ؛ جزيرة من جزائر الرّوم كبيرة ، في سنة ستّ أو سبع وأربع مائة ، فغلب على أكثرها وافتتح معاقلها ، ثم اختلفت عليه أهواء الجند ، وجاءت أمداد الرّوم ، وقد عزم على الخروج منها طمعا في تفرّق من يشغّب عليه ، فعاجلته الرّوم وغلبت على أكثر مراكبه . فأخبرنا أبو محمد عليّ بن أحمد ، قال : حدّثني أبو الفتوح ثابت بن محمد الجرجانيّ ، قال : كنت مع أبي الجيش مجاهد أيام غزاته سردانية ، فدخل بالمراكب في مرسى نهاه عنه أبو خرّوب رئيس البحريّين ، فلم يقبل منه ، فلمّا حصل في ذلك المرسى هبّت ريح ، فجعلت تقذف مراكب المسلمين مركبا مركبا إلى الرّيف ، والرّوم وقوف لا شغل لهم إلا الأسر والقتل للمسلمين ، فكلّما سقط مركب بين أيديهم جعل مجاهد يبكي بأعلى صوته ، لا يقدر هو ولا غيره على أكثر ، لارتجاج البحر وزيادة الرّيح . قال : فيقبل علينا أبو خرّوب وينشد [ من الطويل ] : بكا دوبل لا أرقأ اللّه عينه * ألا إنّما يبكي من الذّلّ دوبل ثم يقول : قد كنت حذّرته من الدخول هاهنا فلم يقبل . قال : فبجريعة الذّقن ما تخلّصنا في يسير من المراكب . هذا آخر خبر ثابت بن محمد . ثم عاد مجاهد إلى الجزائر الأندلسيّة التي كانت في طاعته ، واختلفت به الأحوال حتّى غلب على دانية وما يليها ، واستقرّت إقامته فيها . وكان من الكرماء على العلماء ، باذلا للرغائب في استمالة الأدباء ، وهو الذي بذل لأبي غالب اللّغويّ : تمّام بن غالب ، ألف دينار على أن يزيد في ترجمة الكتاب الذي ألّفه في اللّغة : « ممّا ألّفه لأبي الجيش مجاهد » ، على ما ذكرنا في [ 152 ب ] باب التاء . وفيه يقول أبو العلاء صاعد بن الحسن اللّغويّ